الجمعة، 9 يونيو 2017

جريد النخل العالي

و احنا صغيرين كان عندنا خمس نخلات، كل نخلة كنا مسمينها بأسم حد فينا، سمير و زبيدة وهاني و احمد و ماما. كل النخل اللي بأسماءنا كان نخل بلح زغلول، ماعدا النخلة اللي بأسم ماما كانت من نوع اسمه " شجعة" كانت دايما نخلة هزيلة ضعيفة و مش بتغل كتير ورغم كدة كان بلحها جميل جدا و مميز. من ضمن اسباب تميزه أن البلح الزغلول الحلو كان موجود في كل حتة ، بس نخل الشجعة كان نادر الوجود ورغم أن ده معناه انها تتطلب اهتمام اكتر ، الشجعة دي ماتت من كذا سنة.
.
ماما كانت دايما تقول انها حية فينا ، تقول سمير ده قلبي وزبيدة دي روحي و هاني ده دراعي اليمين وفريدة دي آمال الصغيرة.
كان مرة سمير اشتغل في فيلم اسمه كف القمر عن قصة لخمس أولاد و امهم ، و من بعدها ماما بقت بتقول علينا احنا الخمسة " كف القمر ".
-
ماما شافت كتير ، وكانت مريضة لفترة كبيرة ، وكان جسمها وصحتها آخذين في الضعف و الهذلان ورغم كدة كانت قوية وكل ما اشوف جسمها وهو ضعيف و كلامها عن قوتها افتكر تميم وهو بيتكلم عن الهلال اللي كان ساطع في سماء بغداد بعد غزو المغول
" ﻳُﻮﻗِﻦُ ﺍﻟﺮﺍﺻﺪﻭﻥَ ﺑﺄﻥ ﻻ ﺻَﺒَﺎﺡَ ﺳَﻴَﻄْﻠُﻊُ ﻣِﻨِّﻲ ﻷﻧﻲ ﺿﻌﻴﻒٌ ﻧﺤﻴﻒٌ ﻫﺰﻳﻞْ "
بس ماما طلع منها مش بس خمس صباحات ، سمير وزبيدة وهاني و أحمد وفريدة ، كمان ربنا قر عينها بفرحتها بحفيدتها سارة. صباحنا السادس. صباحنا النادي.
-
" كم يُوجع الورد ألّا يُشم "
مشكلة ماما الحقيقية أن كان نفسها تتقدر. كان نفسها تفرح. مش اكتر. يعني عمرها ما قالت انا ربيت فلان او فلانة بس كانت عارفة من جواها أن الناس دول مقدرين مجهودها معاهم من صغرهم. يمكن اللي كانت مش قادرة تفهمه هو ليه فيه ناس تانيين بيتفننوا على مدار حياتها أنهم يظهروا عدم تقديرهم لمجهودها في مساعدتهم. ورغم كدة أنا متأكد انها لو عرفت انهم شمتوا في موتها هتسامحهم زي ما سامحتهم لما شمتوا في موت اخوها.

اللي انا مش قادر استوعبه الحقيقة هو ايه الانجاز في أن حد مات؟ يعني ليه تحتفل بموت حد يعني؟ بغض النظر عن أن الحد ده هو اللي مربيك و مجوزك ومأكلك ومشربك، السؤال المحير : انت حققت ايه تفرح علشانه بموت الشخص ده؟
-
العيشة في المدينة الكئيبة المُعقدة بتلهينا عن وجود النوعية دي من البشر. ايوة يا جماعة في ناس معانا على نفس الكوكب بيفرحوا في موت حد كان دايما متسامح معاهم. فيه ناس بالعبط ده و الهبل انه يحسوا انهم انجزوا حاجة في حياتهم لما ماما تموت رغم انها ماتت من المرض يعني بدون اي مجهودات منهم!

واحد صاحبنا قالنا امبارح " انا نفسي اقولكم حاجة جديدة ، بس اللي انتوا فيه ده بتاع ربنا ، وعلى فكرة أنا كمان هموت وانتوا هتموتوا ، و امي هتموت. هو انا مش عاوزها تموت بس هي اكيد هتموت"
-
هل تعلم : كلنا هنموت. انا و انت ، و اللي لبسوا احمر و ملوّن احتفالات بموت ماما.
هل تعلم : الاحمر و الازرق و الاخضر هيموت، كلنا هنموت يا جماعة.
-
" نظري الى وجه الحبيب نعيم و فراق من أهوى عليّ عظيمُ"
.
عزائي الوحيد أن من شدة المرض اللي ماما كانت فيه وشها لما ماتت كان مرتاح أكتر من لما كانت في العناية المركزة على الأجهزة.
كانت ماما كل ما اجي اصورها تقولي " بلاش نتصور دلوقت و استنى لما اخف ووشي يرجع حلو " و الحقيقة اني عمري ما شفت وش ماما احلى من لما شفتها بعد ما ماتت، بس للأسف ما أتصورناش مع بعض كتير.

" يابني انا كنت ملكة جمال إمبابة في السبعينات" :))
-

محمود درويش قال عن حب الوطن في البعد  " وطن لا تحبه و انت فيه كما تحبه الان وهو فيك " و انا احب انتهز الفرصة دي و اعدل بس عشان اقول " وطن لا يحبك و انت فيه كما تحبه وهو فيك "
.
الحقيقة انا مش عارف اتكلم عن مكان بحبه اسمه ادكو ، و عن بيتنا اللي بحبه رغم اني بعيد عنه فترة كبيرة اخر كذا سنة ، ورغم كدة أنا محتاج اتكلم أن البيت ده و المنطقة بتاعتنا اتبنت على اكتاف ماما و تحت عينها ، على مدار ٣٠ سنة مفيش بيت كان يتبني في الطويبة الا وماما تتكفل بأكل وشرب العمال اللي شغالين فيه لدرجة أن أهل البيت نفسهم مش بيعملوا كدة مع العمال اللي شغالين عندهم. وطبعا مش محتاج اقول ان فيه بيوت من دي كانت فرحانة جدا أن ماما ماتت. حاجة غريبة جدا.
-
احنا بنحب بلدنا ادكو وبنحب منطقتنا الطويبة و بنحب عيلتنا وقرايبنا وصحابنا ، بس انا حرفيا ماعدش ليا نفس اقعد في البيت بتاعنا وعلى بعد خطوات مني ناس مقززة مقرفة بتعتبر الموت إنجاز يفرحوا بيه.
انا صورت كل حتة في بيتنا علشان اخده معايا فين ما اروح، و اتبسطت أن صحابي شافوا where I belong و زعلت جدا ان فيه ناس قلت لهم ما يجوش عشان نفسي يدخلوا جوة حياتي اكتر ، انا عشت في البيت ده معظم حياتي و عمري ما حسيت زي الأنس أن صحابي موجودين فيه.
.
انا مش هفضل استغرب كتير على اللي حصل بس ممكن اتقمص شخصية ماما وهي بتسامحهم كل مرة ونتساءل:
يعني كان هيجرا ايه لو فرحتوا بموتي من غير ما تتنططوا هنا وهناك؟
يعني يابنتي انتي وهو لو ما لبستيش احمر و ملوّن كانوا هيقولوا اللي مافرحتش في موتي اهي؟
.
على هذه الارض ناس فاكرين انهم مش هيموتوا

يوم الرجل العالمي

احنا مش محتاجين نثبت حاجة لحد ، ومش محتاجين ابراء ذمة او اخلاء مسئولية قبل ما نتكلم عن افكارنا. احنا بنقف كدة بكل اعتقاداتنا و نقول ها أنا ذا.
بديهي جدا أن تكون كتاباتنا هي تجربتنا الذاتية او انعكاساتها او نتايجها، فأحنا مش محتاجين نشرح ده لحد ومش محتاجين نبرره.
انا مش عارف اروح فين ولا اجي منين.
.
هو ليه العالم بيحتفي بيوم المرأة العالمي و مش بيحتفي بيوم الرجل العالمي بنفس القدر؟
.
جزء من الفزع من فقد ماما اني فقدت التجسيد الأول و الرئيسي للأنثى في حياتي. ده امر مفزع. قدر الحنية و الحب ده ماعادش موجود، في لحظة كل ده ما بقاش موجود. النبع اللي كان بيغذي تصوري و تطلعاتي ناحية الأنثى فجأة اختفى. ده امر مفزع.
احنا بنعرف أن الناس بتحبنا عشان احنا جوانا حب في الاساس ، الحب ده منبعه الأم. بنقيس على حب الام حب اي حد تاني ، بنقيس على وقفتها جدعنة اي حد تاني ، بنقيس على حنيتها طيبة اي حد تاني، مش بس حبها المتجلي في سلوك يظهر او يختفي ، حبها المترسخ في كونها ام. فاهمين النقطة دي ؟
.
من الحاجات اللي اتعلمتها من ماما أن الامومة مش مجرد علاقة بين ام و أبناءها، هي في الاساس علاقة بين بشر، المحبة فيها هي انعكاس للحب بين البشر. من الحاجات اللي عرفتني ده لما ماما كانت بتغني لكل حد فينا مقطع من قصايد ام كلثوم  او تردد وراها وهي بتغني ، او تقتبس من اغانيها في الكلام معانا وهي تقصد تقول المعنى ده. مواقف علمتني ان اللي بيحب مرة بيحب مرتين، و اللي بيحب انسان بيحب ولاده ، و ان الحب ما بيتجزأش. و يمكن ده اللي خلاني استوعب بعد كدة لما قريت قصائد بتمزج بين الحب الالهي و الحب البشري و الناس احتاروا في تحديد وجهتها مع أن الموضوع سهل وبسيط : الحب واحد.
.
لما سارة بقت بتعرفني و بقت تبص لي لما حد يسألها : خالو احمد فين ؟ جسمي قشعر لما بصت لي وضحكت لي ضحكة مخصصة موجهة ليا عشان انا مش عشان بتضحك وخلاص. شفت كل ضحكة ضحكتهالي ست في حياتي، أولهم ضحكات ماما و جدتي اللي كانوا شبه ضحكة سارة جدا بالذات في الملامح.
.
هو ليه مدرسين الحضانة و اولى ابتدائي بيكونوا ستات؟
.
و انا في خامسة ابتدائي كان فيه مدرس الولاد مش بيحبوه وبيتخنقوا منه ، بس انا كنت بحبه مش بس عشان كان مدرس الخط الموهوب ، بالاخص عشان مراته كانت مدرستي في اولى ابتدائي ، كنت بحسه حد من اسرتي.
.
طبعا امر مفروغ منه اني بحس أن الستات بيدوا  الحياة طعم ، بس انا برضو بحس أن الستات بيدوا للحياة ثِقل، بيحسسوني بأني موجود هنا ، على هذه الارض، مش طاير ، مش سايل ، مش هلامي وماليش ملامح.
.
انا فعلا بستغرب من الناس اللي بتسأل هو ليه بنحتفي بالستات ومش بنحتفي بالرجالة، يعني بذمتك دي مناظر نحتفي بيها؟
.
ﻣَﻦْ ﻏﺰﻟﺖْ ﻗﻤﻴﺺَ ﺍﻟﺼﻮﻑ
ﻭﺍﻧﺘﻈﺮﺕْ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﺎﺏ
ﺃَﻭْﻟَﻰ ﺑﺎﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺪﻯ
ـــــ درويش
.
انا مؤمن جدا بأن لو الميزان بين الراجل و الست مش متساوي فهو لصالح الستات ولازم يكون كدة . انا بحس انه طبيعي جدا اننا نحتفي بالستات ، بعض النظر المجتمع عادل تجاههم او لاء ، سواء في مجتمع متقدم او متخلف, الاصل في الراجل أنه يقدر الستات ويمتن لوجودهم في حياته.
الستات فيهم حاجة متشابهة ، فيه احساس كدة في حضرتهم مميز ، احساس مختلف انك في حضرة ست. دي حاجة مش بتتشرح ولا بنسوق الأدلة عليها ، دي حاجة انا بحسها جدا لما اشوف اي ست في اي مكان او في اي وقت ، فيهم حاجة حلوة.
الحاجة دي اللي بتخلي البنت الصغيرة اللي في اللفة تفضل تعيط لحد ما تشيلها ايد أنثوية حتى لو ايد طفلة اكبر منها بكام سنة.

ممكن نقتبس التذييل السابق الصادم مجددا :
" Men are born between a woman's legs and spend the rest of their lives trying to get back in them. Because there's no place like home."

وممكن نكون أكتر ذاتية و نعكس تجربتنا الشخصية قائلين :
I was engendered by a woman's hands  , and I wish to die between a woman's hands , because there is no place like home.

انا مش ممكن اتصور حياتي من غير الستات، جحيم اقسم بالله.
ـــ
نستمع الآن الى أغنية ابن القمر
Hijo de la Luna
من التراث الاسباني مترجمة إلى الإنجليزية.
https://www.youtube.com/watch?v=dK_FHUe5UiE
.
.
وكل سنة و انتوا طيبين بمناسبة ان النهاردة عيد الأم في ألبانيا.

الأحد، 5 فبراير 2017

يوميات الربيع المؤجل


لطالما حسبها اصدقائي مليوني سنة وهي فقط بضع لحظات. استيقظ من قيلولتي مستقبلا حياتي المُرتبة: اتحمم. اهندم مظهري. اتوجه الى المطعم.
لم يشغلني ابدًا السؤال ماذا سيقدم المطعم بل يشغلني دومًا السؤال: من سيكونون الزبائن الاربعة هذا اليوم?
فمع سياسة حجز تشترط ان تكون زيارة المطعم مرة واحدة في العمر وكذلك مع اخفاء هوية اصحاب الحجز لحين وصولهم لطاولاتهم, يتعذر عليّ معرفة من سيتذوق طعامي هذة المرة. ليست مشكلة كبرى اذ يصحب هذا الغموض التحدي اليومي كيف سأعالج ذوق اولئك الغرباء?
تمثل لي الاطباق الاربع تحدٍ معقد يلهيني عن الحكم على حياتي ان كانت رتيبة ام مرتبة فحسب. تحدي ان يتذوق هذا الغريب ما لن يتذوقه مجددا في حياته بعد مغادرة مطعم لن يزوره مرة اخرى طوال حياته. مغامرة الطبق الذي لا يُنسى في المطعم الذي لا يُنسى من الطباخ الذي لا يُنسى. مغامرة مع طبيعة البشر; مع النسيان.
القيادة لم تكن ما تعلمته في حياتي السابقة كمدير ولم تكن من دروس حياتي كمساعد لكثير من مديري الشركات التي تدعي دومًا انها "تقود" السوق و ان بها "قادة". كانوا يدّعون لفترات طويلة انني قائد مستقبلي بل وواصلوا الادعاء اني صرت قائدًا مؤثرًا حين ترقيت كمدير.
على اية حال كانت هي الموسيقى من علمني القيادة. لم تكن البزات الرسمية طول النهار تقودني نحو المطبخ في الامسيات, بل كانت تقودني نحو الاوبرا في صحبة "قادة" الشركات المزعومين. هناك تابعت القادة الحقيقيين يقودون جيوشًا من الفنانين نحو منتج فني رائع. حينها استحال كرهي لصبحتهم الى حنين لرغبتي في زيارة الاوبرا دائما ما كان يساورني في حياتي الاولى.
وفي حياتي الاولى اختبرت الحلم و الشغف, الثنائي الذي اشاهده يوميًا في اداء مساعدي الشاب.
يراقبني الاصدقاء من خلف نوافذ المطعم الزجاجية اذ يجلسون على مقهى في الجهة الاخرى من الشارع الصغير. اعلم تمامًا من منهم يشاهد حماسي ومن منهم يشاهد رتابة لا يشفق عليّ منها سواه. اؤكد ان لا احد يشعر بالأولى مثله حين يراقبني ومن ثم اشاركه الثانية ولكن عليه.
خمسون سنة في اربع حيوات لم تكن سوى تمهيدًا و ترتيبًا لهذه الحياة المنتظرة. هذه الحياة المرتبة جدًا الهادئة جدًا المثيرة جدًا حيث في كل امسية منها اقود مطعمي ذو الاربع طاولات نحو  مغامرة جديدة مع اربعة مجهولين جدد.
-
٢٠ ابريل ٢٠١٦

الجمعة، 16 ديسمبر 2016

يوميات الخريف المؤجلة

كتابتك الجيدة هي ما قد كتبته بالفعل. كل أفكارك الجميلة النيرة ليست بمكانة حرف مما كتبت.
انا شخص لا يحب الكتابة ولا يطيقها. بدأ الأمر من رفضي الاقتناع بكلام معلم اللغة الذي اصر أن حسن الخط ليس سببًا يدعو للفخر كما أن سوء خطي ليست له اي علاقة بعدم قدرتي على التعبير. و الحقيقة أن سوء حظي هو ما قادني للإعتماد على سوء حظي كسبب للنفور من الكتابة التي لم أحسب يومًا أن تصل حاجتي اليها كما وصلت اليوم.
سألتها: متى أول مرة تحرش بك أحدهم؟ وكي أشجعها على الاجابة حكيت لها اول موقف تم التحرش بي و مضيت أورد ألفاظ المبالغة في التعجب " تخيلي أن المجتمع بأكمله يتحرش بطالب في المرحلة الثانوية لحسبانهم أحلامه ثانوية"
لم أشأ أن أورد العديد من مواقف تعرضي للتحرش لكنني تمنيت في هذه اللحظة أن اكون محملًا بذكرى تحرش جنسي حتى نكون متساوين في اعترافاتنا، لكنها اغلقت الحديث بالقول " هذا أمر لا تحكيه البنت لأبيها"
فكرة أن كل ما عشته و دار بي و درت به و درته لم ينتهي حتى الآن هي فكرة مفزعة أحاول أن أهدأها لتكون " لم ينتهي بعد"
حتى حصلت على هذه السترات المكوية و المغلفة بأكياس رقيقة تصبغها بمظهر السترات الجديدة، حتى هذا اليوم كنت من مدمني التسويف، أن ليس السيء لم يأت بعد و أن الكتابة لم تحبني بعد و أن نصيحة معلمي لم تثبت بعد و أن الخير، لم يأتِ بعد. الى أن اسرعت بدون تردد لشراء طبق حلوى لها.
اعترف أن ارتفاع الاسعار هو السبب الرئيسي في قراري اذ خشيت أن امر غدٌا برغبتها في تذوق حلوى قد اكون حينها لست قادرًا على ثمنها و أن كانت حلوى ابسط ما يكن.
لا شيء اقل او ابسط من أن يذكر في يوميات. في اليوميات اكتب كل شيء حتى ما تعتقد انه غير مهم، اذ أن اليوميات اصلا ليست مهمة سوى لأنها تحوي حوادثك غير المهمة.
دوما ما امر بفتنة شديدة مزمنة "الكتابة ام الواقع" و على الرغم من عدم معرفتي بالكتابة فقد "اخترت" ان اعيش الواقع دون أن اكتب عنه. ولا اعلم أي اختيار هذا الغير مبني على خيار اخر غير ما اجبرت على اختياره.
ماذا؟ " أجبرت" و " اختياره " في جملة واحدة؟! يبدو انني أحاول أن اجعل يومياتي اهم من أن تحوي تفاصيل حياتي الصغيرة.
تفضيلي الاجباري الواقع حرمني من تسجيل العديد من القصص التي مررت بها بل و منعني من تسجيل ما سمعته من قصص و حصرني في اطار التاريخ الشفوي فصرت أتحدث بسرعة خمس الى ست كلمات في الثانية كي ألحق بآذان المستمع و اسجل على شريط ذاكرته تلك القصة التي سمعتها صغيرًا او تلك التي كنت قد قرأتها لتوي.
وتلك التي حدثت لي و مررت بها لم تكن سوى ترديد لما كتب منذ مئات السنوات و قد قرأته او نبهني احد المستمعين لأنه قرأ امرًا مماثلًا. او ذلك الصديق المهذب الذي همس في أذني: " اعجبني مما مررت به امس في المترو لكن هناك بعض تفاصيل فاتتك" و عندما اصريت على اخفات ابتسامته المهذبة السخيفة قال " في الرواية كان الكاتب أجرأ منك فقد تحدث عن بذل احدى الغواني الفقيرات نفسها لأحد الفقراء لأنه كان اعدم من ام يتزوج او يؤجر بغي. لكن صياغتك كانت ركيكة بإستبدال القصة بطفلة تبيع المناديل في المترو و تعطي نقود لاحدى الامهات اللاتي يتسولن في المترو" و أضاف " محاولة محافظة تناسب كونك محافظًا ابله"
بالطبع هذه فرصة جيدة جدا لأن اذكر في يومياتي ما هو اهم من صديقي السخيف كمثلًا أن أورد قائمة قراءاتي في ادب الفقراء في امريكا اللاتينية او مثلا كتابات الازمة الاقتصادية الأمريكية التي وردت فيها تلك القصة عن بذل الفقراء لأنفسهم لصالح الفقراء الآخرين. ولكنها فرصة لأقول لصديقي أني كنت اعلم أن تفاصيل القصة ليست بالمحتوى الجنسي الذي حكاه لي  من وحي آماله بأن منظمة الصالون قد تغدق عليه بنفسها كهدية من ضمن هدايا الصالونات الثقافية حينئذ. هي فرصة أيضًا لأن أورد تصوري الشخصي أن الادب ماهو الا وسيلة لحفظ احداث البشر و تصوراتهم عن العالم من اجل تسجيلها لا اكثر بغض النظر عن الاستفادة اللاحقة من هذا التسجيل. و هي فرصة كذلك لأن اقول بأن كل هذه القصص على ارفف المكتبات قد حدثت بالفعل و ستتكرر سواء قرأتها ام لم تقرأها. اذ ان بائعة المناديل لم يسبق لها أن قرأت " اذا اردت المساعدة فإلجأ للفقراء فهم اقدر الناس على تقديم المساعدة"
الانتظار دائما ما يكون فرصة جيدة و احيانا يكون فرصة للندم كي يتوالى على الأنفس المدمنة للتسويف، أمثالي.
استغرقني الأمر عمرًا كي ابدأ بالكتابة، اغرقني الندم على ما فات من دون تدوين ولا يبدو اني سأتخلص من الندم بل يبدو أنه موضوع مشوق للكتابة.
يبدو أن كتابتي هذه ستكون محلًا لينسب لي قارئها خطأ بعض المقولات التي اقتبستها ولم أورد ذكر اصحابها.
كما يبدو أيضًا أن تفضيلي للواقع على حساب الكتابة افضى بي الى رجل خريفي خرف يحدق بالناس في المواصلات ولا يدرك أن الناس يحدقون به لأنه يرتدي سترة فريقه المفضل. كل يوم ينظر إليها على انها ما زالت سترة فريق المجد. ينظر اليها بتطلع. لم تتغير العلاقة بينهما لكن باقي مدخلات معادلة الحياة تغيرت؛ السترة اصبحت بالية، النادي غير التصميم مرارا وتكرارا حتى انه يفكر في اعادة التصميم القديم بمناسبة مرور خمس وعشرون عاما على البطولة، العقل الذي كان مستغرقًا في الواقع صار تواقًا للخيال. كل شيء تقريبا تغير ما عدا تلك النظرة المتطلعة نحو سترتي كلما هممت بتناولها. وهذا هو السبب في شعوري أن اي منا لم يبلى.
العلاقات بالاشياء تتسم بطول يد الانسان عليها وبطشه بها. يمكنه أن يصبغها بالاستقرار اللازم لشعوره بالراحة، أن يضيف لها احداث و ذكريات ، بل أن يجعلها تتحدث بما يشاء. وتلك فتنة كبرى قد وقعت فيها حين مضيت في حياتي استغني عن شغف محبة البشر بشغف حبي للأشياء التي أشكل علاقاتي بها كما أشاء.
اضاع مني هجري للكتابة فرصا كثيرة للاستثمار. فالكتاب و القراء و الناشرون يعشقون الكتابة عن المعاناة و الفقر و الفقر و المعاناة. يحبها القارئ فيعشقها الناشر و يستغني بها الكاتب عن عوز الفقر والمعاناة. على مدار عشرين عاما من الفقر كان بين يدي كنز لم أفطن له. كنز انتشل الكثيرين من الفقر، كنز كان ليجنبها تحرش احدهم و يمكنني من غلب تحرش المجتمع بأحلامي.
هل كان اختياري لأن ازور المكوجي اليوم هو السبب وراء كل هذا الفيض من الاعتراف و النحيب على حياتي؟ كان بإمكاني أن اقول فقط: "بعدين" حين تذكرت أنه كان علي استعادة السترات منذ اسبوع.
الذاكرة غريبة جدا. و كذا الحياة أغرب. لو لم اكن فكرت أن اذهب الى المكوجي كي يعيد بعض من هيبة ستراتي البالية ويغلفها من جديد لما تذكرت و من ثم قررت أن "لا بعدين بعد اليوم" و أن اذهب اليه فورًا لاستعادتهم. و لم اكن كذلك لأقرر بمنتهى الحسم أن اتوقف عن التسويف و ابدأ بالكتابة التي ذكرتني بالسترة الرياضية البالية التي ستصبح موضة هذا الشتاء بعد أن قرر النادي اعادتها الى الاسواق من جديد. لكانت فكرة شديدة الحكمة أن اجدد تلك السترة بدلا من السترات الأخرى. كانت الفكرة كفيلة بأن تُعجل بطبق الحلوى بل و أن توفر اللازم لأن يكون طبقان. ياه! طبقي حلوى في اسبوعين متتاليتين. كم كان سيعجبها ذلك!

الأربعاء، 16 نوفمبر 2016

الموسيقى

هل هناك علاقة بين الموسيقى و الألوان؟
لا اعرف ولكني اذكر اول مرة عمدت فيها للإستماع الى مقطوعة موسيقية.
هذه المقدمة يشار اليها دومًا بوصفها احد "كليشيهات" الحكي ، التي سيبدأ بعدها القول : رغم انه يوم بعيد الا اني اذكر كل تفاصيله كأنه اليوم. الا أن هذا غير حقيقي.
اذكر تفاصيل كثيرة من اول مرة استمع فيها عمدًا الى معزوفة موسيقية لأنها ببساطة كانت عندما تجاوزت العشرين. اذكر اسم الموسيقي الذي عزفها و اذكر اسم من رشحها لي لكني لا اذكر اسمها.
- كانت رائعة
- ما اسمها؟
- لا اذكر..
- اذا كانت رائعة حقًا فلم تكن لتنسى اسمها
-  بل كانت رائعة لدرجة اني لازلت اذكر ماهو اهم من اسمها، وقعها في نفسي..
.
نحن فنانين في النظر الى الامور من اضيق مناظيرها. ومن ذلك فأنني اشكر الله اني تحررت من النظر الى الموسيقى بإختصارها في المعازف التي ما هي الى شكل من اشكال الانتاج الموسيقي البشري.
في فيلم Youth  يجلس الموسيقار السبعيني في مرعى للحيوانات فيبدع معهم مقطوعة موسيقية من اصواتهم و اصوات خرفشة ورقة بلاستيكية في يده.
.
ادركت فجأة ان المقطوعة الموسيقية الغنائية التي اسمعها منذ سنوات و اسمعها الان، هي موسيقى لم يدخل فيها معزوفات!
.
كان لي استاذ جامعي ذو موقف عدائي جدًا تجاه محاولات قارئي القرآن تغيير نبراتهم بهدف الوصول الى نغمات يتلون بها القرآن بوصفه خروج عن طبيعتهم وقدراتهم العادية.
و الحقيقة ان قدرات البشر على تحوير نغمات اصواتهم لإنتاج موسيقى في الاداء لهي امتداد طبيعي - او ربما كانت الاساس- لقدرات البشر على تحوير الكلمات و الالفاظ و انتقائها وتركيبها في اشكال عديدة من الشعر و النثر.
.
ان النفوس التي تبحث بكل جد في " تحريم الموسيقى" بوصفه مبحث يؤدي الى مساعدة الانسان هي نفوس تسعى سعيًا حثيثًا لتبرير فسادها.
ان اول الموسيقى أن تحسن اختيار اللفظ في التعبير عما ترغب.
.
.
تفضيل استخدام السماعات الموصولة بين مصدر الموسيقى و المتلقي ان كان مجرد حل لظروف كثيرة من الازعاج الا انه يمنع الكثير من الجمال المتجلي في الاستماع الى الموسيقى بإستخدام مكبرات الصوت.
ان تجربة الاتحاد مع تفاصيل الحالة الموسيقية التي تمنحها تجربة ال"سبيكرز" لهي أكثر ثراءًا من الحالة الفردانية في استخدام ال" هاند فري" مهما اعتقدنا خطأ بأننا ملمين بأكبر قدر من تفاصيل الموسيقى عن طريق اقحامها مباشرةً داخل آذاننا. ذلك أن الموسيقى كأحد العناصر المكونة للطبيعة الحرة لا يتسق معها الاستئثار بأحد المنتجات الموسيقية التي تحاكيها سواء كانت معزوفة او أداء بشري.
لم نسمع يومًا عن نهر هدر وحيدًا او عصفور استأثر بتغريده او ريح بخلت بخشختها.
.
ان ما يحدث حولنا من ضوضاء تدفعنا للهرع نحو ال"هاند فري" لهو امر يحزن أي صانع موسيقى؛ ان تكون موسيقاه حكرًا على آذان شخص واحد فقط. من ثم فهو امر محزن جدا للطبيعة موسيقارنا الأول.
.
اللهم ارزقنا ظروف و اماكن نستمتع فيها بالاستمتاع بموسيقى البشر و الطبيعة بكل حرية يشاركنا في الاستمتاع بها جميع من حضر من حجر او بشر.
"
اللهم إنّا نعوذ بك من ضيق العبارة و عبادة اللفظ
اللهم حررنا من قيود التعبير و ألهمنا طلاقة اللسان
اللهم امدد لنا جنان من الكلمات وحظائر من التعبيرات نرعاها ننميها تزداد انتاجًا و تزيدنا حرية
"
الجيزة
١٦ نوفمبر ٢٠١٦